الرئيسيةالبوابةدخولالتسجيلاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» برنامج تقطيع الفيديو باحدث اصدار كامل بالسيريال الصحيح Ultra
الجمعة مايو 11, 2012 10:50 am من طرف Admin

» برنامج multi virus cleaner
الأحد فبراير 05, 2012 3:06 am من طرف ali benazzouze

» مطعم على شكل مستشفى
الأربعاء نوفمبر 16, 2011 5:23 pm من طرف سميرة ابراهيم

» هل نتعلم منهم قلة أدبهم أم نعلمهم الأدب؟
الأربعاء نوفمبر 16, 2011 4:44 pm من طرف سهيل اليماني

» الحرية من منظور إسلامي..حسين كبير
الجمعة أبريل 01, 2011 5:58 am من طرف سميرة ابراهيم

» دروس العروض الرقمي
الأحد يناير 23, 2011 5:45 am من طرف سميرة ابراهيم

» Best Portable Soft Full 19.05.2010 Multilingual
الجمعة يناير 21, 2011 4:02 pm من طرف سميرة ابراهيم

» [UD] Portable AutoPlay Media Studio v8.0.1.1
الجمعة يناير 21, 2011 3:58 pm من طرف سميرة ابراهيم

» كم يتطلب الأمرُ كي تؤجر عقلك؟
الأربعاء يناير 19, 2011 5:00 am من طرف سميرة ابراهيم

مدونات شخصية ومواقع صديقة
 

 

 

 

 

 

 
برامج تهمك
 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 
الساعة ساعة الفرج
معلومات المنتدى
معلومات عن المنتدى اسم المنتدى :{samariyat}. عمر المنتدى بالأيام :4131 يوم.عدد المواضيع في المنتدى :957 موضوع. عدد الأعضاء : 184 عضو.آخر عضو متسجل : حكيم بيري فمرحباُ به .
معلومات
معلومات عنك سجلت الدخول بأسم {زائر}. آخر زيارة لك . لديك 0مشاركة.
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 1 عُضو حالياً في هذا المنتدى :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 1 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 21 بتاريخ الخميس مارس 06, 2014 1:23 pm
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
counter
free counters

شاطر | 
 

 تفسير سورة الحجرات لفهد بن ناصر السليمان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سميرة ابراهيم
الادارة العامة
الادارة العامة
avatar

عدد الرسائل : 1327
تاريخ التسجيل : 25/08/2007

22092007
مُساهمةتفسير سورة الحجرات لفهد بن ناصر السليمان

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد...



فإننا نشكر الله عز وجل على ما يسره لنا من إقامة هذه الدورة العلمية بجمعية البر الخيرية بالخرج لتفسير سورة الحجرات نسأله سبحانه أن يجعل فيها منفعة لنا و للمسلمين أجمعين . وقبل البدء بذلك أقدم بمقدمة عن أهمية التفسير.



أهمية علم التفسير:

لا شك أن العلوم الشرعية مهمة لكل مسلم و مسلمة ولكن هذه العلوم تتفاوت من حيث الأهمية ولسنا هنا بصدد بيان خلاف العلماء رحمهم الله في أهم العلوم هل هو علم العقيدة أو علم التفسير أو علم الفقه أو علم الحديث؟ و إنما نحن بصدد بيان أهمية العلم لكل أحد لأن الله عز وجل قال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿11﴾ ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿28﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:{ من يرد الله به خيرا يفقه بالدين} ويقول عليه الصلاة والسلام: {من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة} إذاً العلم الشرعي جاءت الآيات والأحاديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحث عليه وبيان فضله وعظيم أثره في حياة الإنسان .



وعلم التفسير من أهم العلوم ومن أشملها ، أما إنه من أهم العلوم فلأنه يتعلق بكلام الله ولا أهم من كلام الله سبحانه و تعالى ولا أشرف من كلامه جل وعلا ومن ذلك أيضاً شمولية علم التفسير لسائر العلوم ووجه ذلك أن المتحدث في العقيدة أمره محصور فيها ، و المتحدث في الفقه أيضاً محصور في جانب الفقه ، أما المتحدث في التفسير فإنه تارةً يتحدث في العقيدة، و تارةً أخرى يتحدث في الأحكام الشرعية العـملية (أي فيما يتعلق في الفقه) ، وتارة يتحدث في الأخبار، أخبار الأمم السابقة وهكذا ...

فهو يتنقل بين العلوم جميعاً وسبب ذلك أن الله تعالى نزل القرآن تبياناً لكل شيء، فبينما تراه يتحدث عن صفات الله عز وجل، إذ به يتحدث عن أحكام الصلاة وبينما هو يتحدث عن أحكام الصلاة، إذ به يتحدث عن قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون ثم عن قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وهكذا...





ثم ينتقل مع آيات الكتاب الكريم حسب ما يمر به من الأمور الواردة في الآيات الكريمات ، إذاً هو أشمل العلوم لأنه اشتمل عليها جميعا ولكن التفاصيل تختلف من آية إلى آية أخرى و لمّا كان هذا العلم بهذه المثابة العظيمة كان لابد للمسلم الاهتمام به.

_________________



عدل سابقا من قبل في الجمعة سبتمبر 28, 2007 7:51 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

تفسير سورة الحجرات لفهد بن ناصر السليمان :: تعاليق

واجب المسلم تجاه علم التفسير:

لمّا كان هذا العلم وهو علم التفسير بهذه المثابة العظيمة كان لابد للمسلم ولا سيّما طالب العلم أن يعتني عنايةً خاصةً بعلم التفسير، ولكننا مع الأسف قل الاهتمام به إذ تقام الدروس و المحاضرات والدورات في شتى الفنون ويهمل في كثير منها علم التفسير .



طرق التفسير على وجه الاختصار:

النوع الأول:

تفسير القرآن بالقرآن فإذا جاءت آية مجملة جاء تفسيرها بآية أخرى وهكذا...

النوع الثاني:

تفسير القرآن بالسنة فبعض الآيات تأتي مجملة فيفسرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفسير النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ القرآن إما بقوله أو بفعله.

النوع الثالث:

تفسير القرآن بأقوال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ .

النوع الرابع:

من العلماء من رجع بعد ذلك إلى أقوال التابعين، ومنهم من رجع إلى اللغة العربية، فهذه الطائفة يفسرون القرآن بالمراحل الأربعة، إذا وجدوا تفسير القرآن بالقرآن أخذوا به وإذا وجدوا تفسير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذوا به وإذا لم يجدوا في كتاب الله ولا في سنة رسوله ـ عليه الصلاة السلام ـ أخذوا بتفسير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ثم إذا لم يجدوا أقوال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أخذوا بأقوال التابعين، أو بما تقتضيه اللغة العربية، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ : إنََََََّ أصح الطرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن فإن لم تجده فمن السنّة وإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة لاسيَّما علماؤهم وكبراؤهم فإذا لم تجد التفسير في القرآن، ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمّة في ذلك إلى أقوال التابعين .







وهناك نوع آخر وهو التفسير بالرأي:

هناك من فسر القرآن ولكن بالرأي، وهذا الرأي إن كان رأياً مجرداً فإنه مذموم قد حذر منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:{ من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار} والله عز وجل يقول: ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ﴿36﴾ ويدخل في عمومه تفسير القرآن الكريم والكثير منا يعرف الأثر الوارد عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ قال: ( أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إن قلت في كتاب الله مالا أعلم ).



وفي هذا تنبيه لطالب العلم أن لا يتكلم في كلام الله عز وجل إلا بما علم ، لكن قال العلماء : لا بأس أن يتدرب الإنسان على استنباط المعاني لكن دون الجزم بها حتى يراجع كلام أهل العلم، حتى يكون عنده ملكة على التدرب والاستنباط والتفسير فإن رأيت أنه صحيح فاحمد الله على التوفيق وإن رأيت أنه غير صحيح فانظر أسباب عدم الصحة كيف استنبطته مع أنه غير صحيح حتى يتبين لك الأمر قال شيخنا فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله تعالى ـ : (أنا أرى أن يفهم ما كتبه العلماء فيها لأن هذا يفيد أن يكون قويا في التفسير غير عالة على غيره فالذي أرى أن الطريقة المثلى أن يكرر الإنسان تفسير الآية في نفسه، ثم بعد ذلك يراجع كلام المفسرين، فإذا وجده مطابقاً فهذا يمكِّنه من تفسير القرآن وييسره له، وإن وجده مخالفاً رجع إلى الصواب) وعلى كل حال يرجع الإنسان إلى علم أصول التفسير فهذه إشارات عابرة.

{ســورة الــحجـــــرات}


سميت بالحجرات لأن الله تعالى ذكر فيها حجرات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبيوت زوجاته رضي الله عنهن وأرضاهنَّ أجمعين...



قال الله تعالى: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾

ابتدأ الله سبحانه وتعالى الآيات بالبسملة وكل سورة من سور القرآن الكريم مبتدأة بالبسملة عدا سورة براءة وهي سورة التوبة.



تفسير الآيـــة:-

يقول الله عز وجل: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وهنا ننبه على فائدة وهي أن بعض الناس يقول قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وهذا خطأ وليس بصحيح كيف يكون غير صحيح ؟ لأن الله تعالى لا يستعيذ من الشيطان الرجيم بل هو المعيذ من الشيطان فلا يصح أن يقال: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لأنك إذا قلت: قال الله جعلت الاستعاذة من قول الله يعني الله قال:أعوذ والله هو المعيذ منه ولكن قل: قال الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم ابتديء السورة.



قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿1﴾



تفسير الآيــــــة:-

ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة الكريمة بهذا النداء العظيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ تنبيهاً لأهل الإيمان ، وكلنا أو كثير منّا يعلم قول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حينما قال :إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ فأرعها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تحذر منه . يعني انتبه لها وأعطها السمع والقلب دائماً إذا سمعنا الله عز وجل يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ فعلينا أن ننظر باهتمام شديد إلى ما بعد آمنوا .



ولأهمية هذه النداءات في القرآن الكريم جمعها بعض أهل العلم وكل مسلم بإمكانه أن يجمعها هو ويصنف بمعنى يجعل الآيات التي وردت بالأمر في جهة والآيات التي وردت في النهي في جهة أخرى.



ومن فوائد قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ قال أهل العلم: لبيان أن الالتزام بما بعد النداء من مقتضيات الايمان إن كنتم آمنتم فمن مقتضيات الإيمان ألا تقدموا بين يدي الله ورسوله هذا ما يتعلق بهذا النداء في هذه الآية .



ثم قال تعالى: ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ وفي قراءة أخرى قال تعالى: ﴿ لا تَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ بفتح التاء والدال أما معنى قوله تعالى على قراءة: ﴿ لا تَقَدَّمُوا﴾ فهي مأخوذة من التقدُّم، أما على قراءة : ﴿ لا تُقَدِّمُوا ﴾ بضم التاء وكسر الدال أي لا تتقدموا بين يدي الله تعالى وبين يدي رسوله بأي قول وأي فعل .



سـبـب نـزول هذه الآيــة :ـ

هذه الآية الكريمة:ـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ اختلف العلماء في سبب نزولها:ـ

1) أنه قدم وفد من بني تميم على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاختلف الصحابة في تأمير أي رجل منهم فأشار أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بالقعقاع بن معبد وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ بل أمّر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ما أردت إلا خلافي ،وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ ما أردت خلافك ، فتماريا ـ رضي الله عنهماـ حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله تعالى قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿1﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ....... ﴾ رواه البخاري فنرى أن هذا السبب من أسباب النزول قد جمع بين سبب نزول الآية الأولى وسـبب نـزول الآيــة الثانية وذلك لأنّهما تماديا حتى ارتفـعت أصواتهما ـ رضي الله عنهما ـ .

2) ذكر بعض أهل العلم ـ رحمهم الله ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد سفراً وأراد أن يستخلف رجلاً فأشار أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ برجل وأشار عمر ـ رضي الله عنه ـ برجل آخر فنزلت هذه الآية الكريمة وهذا القول والقول الأول من أقرب أسباب نزول هذه الآية وإلا فالعلماء ذكروا أسباباً أخرى لنزول هذه الآية الكريمة ، إذاً فكان التقدم في قوله تعالى : ﴿ لا تُقَدِّمُوا ﴾ بالإشارة بتأمير رجل مع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد تأمير رجل آخر.



قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أمر من الله ـ سبحانه وتعالى ـ بتقواه، والتقوى لها شأن عظيم في القرآن الكريم.





ولا غرْوَ في ذلك فإن الله تعالى جعلها وصيته للأولين والآخرين كما قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فجعلها الله وصية منه لسائر الأمم وإذا كانت لسائر الأمم فهي جديرة بالاهتمام .

والعلماء ـ رحمهم الله ـ اختلفوا في تعريفها والناظر في اختلافهم يجد أنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد يعني تنوع العبارة وإلا فالمعنى الذي قصدوه واحد:ـ

* تعريف التقوى:

1) أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى وإذا فعلت ذلك كنت من المتقين.

2) ألا يفقدك الله حيث أمرك وألا يجدك حيث نهاك، وهو مقارب لتعريف الطائفة الأولى

3) أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك ما نهاك خوفاً من عقاب الله، وهذا التعريف مطابق للتعريف الأول والتعريف الثاني وأكثر العلماء على التعريف الأول والثاني.



قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

أكثر علماء التفسير إذا مرَّ بمثل هذه الخواتم(أي خواتم الآية) من أسماء الله يفسرها بما يناسب الآية يعني لا يأتي بالأعم الأوسع فيكون المعنى:ـ

سميع: لأقوالكم.

عليم: بأفعالكم.



فيقتصر البعض على كذا ، على أن العلم أوسع فالله سبحانه عالم بالأقوال والأفعال لكنهم لما رأوا الجمع بين السميع والعليم قالوا: السمع للأقوال والعلم للأفعال، وممن فسر بمثل هذا ابن كثير والقرطبي ـ رحمهما الله ـ .

وينبغي لطالب العلم أن ينتبه لذلك فهم لا يريدون قصر العلم على الأفعال فقط بل على السياق الذي ورد فيه ، قال شيخنا ـ رحمه الله ـ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أي عليم بما تقولون وما تفعلون، لأن العلم أشمل وأعم.



مســـألــة:ـ

وهي مسألة مهمة لطالب العلم ولكل من يقرأ كتاب الله عز وجل أنه ينبغي له أن يهتم بخواتم الآيات ويستفيد منها كما قال العلماء: فائدة مسلكية أي في سلوكه فالله ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فمقتضى ذلك أن لا يسمع منك إلا





ما يرضيه وألا يرى منك إلا ما يرضيه سبحانه وتعالى ، وهذه يسميها العلماء ومنهم شيخنا ـ رحمه الله ـ الفائدة المسلكية فهي الثمرة من الإيمان بالأسماء والصفات . فحينئذٍ العلم بخواتم الآيات من الأسماء والصفات قد يكون علماً مستقلاً لكن يجب الانتباه إلى أنَّنا لا نتوغل في ذلك لأن البعض قد أوغل في الاستنباط والربط حتى تكلف في ذلك كما أن بعض ذلك الربط قد يكون ضعيفا ثم يكون المعنى بعيداً عن سياق الآية ، والذي يُؤكَّد عليه هـو الاهتمام بالخواتم من الناحية المسلكية .
من فوائد الآية:ـ

1) النهي عن التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأي قول أو فعل.

2) الأمر من الله سبحانه وتعالى بالتقوى لقوله سبحانه: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ وقد تقدم بيانـه.

3) إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل وهما السميع والعليم وما تضمناه من الصفة .

4) إحاطة الله عز وجل بأعمال العباد .

5) في الآية اشارة إلى أن التقدم قد يكون بالقول لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأنه قد يقدم كلام فلان وفلان على كلام الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد يكون التقدم بالفعل لقوله ﴿ عَلِيمٌ ﴾ على ما مضى من تفسير عليم بأفعالكم مثل أن الله يأمرنا أن لا نتقدم رمضان بيوم أو يومين فيقول:أنا أقدم يوماً احتياطاً لهذه العبادة.



ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿2﴾

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ : نلاحظ أن النداء قد تكرر مرة أخرى وفي ذلك تنبيه لأهل الإيمان أن ينتبهوا لما بعد النداء .



قد يقول قائل:ـ

لمـاذا لم تعطـف الآيـة الأولى على الآيـة الثانية بدون نداء آخــر؟ ج/ هذا تأكيد لما سيأتي بعد هذا النداء وإشادة به وإشارة إلى أهميته حتى تنتبهوا لما بعد النداء ، فكما أنكم انتبهتم إلى النداء الأول فانتبهوا إلى النداء الثاني .





ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

حدثت قصة لثابت بن قيس بن شمَّاس ـ رضي الله عنه ـ وكان جهوري الصوت و كان يتحدث بين يدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى سمي خطيب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما نزلت هذه الآية دخل بيته وأغلق بابه وانقطع عن الناس فافتقده الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرسل من يبحث عنه فلما جاءه الرسول الذي بعثه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسأله عن سبب اختفائه قال ثابت: إن الله أنزل على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿2﴾ وأنا صوتي فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخشى أن يحبط عملي فلما رجع الرسول إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره بسبب غيابه قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرجع إليه فقل له: { لست منهم بل تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة } فبشره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك ، وثابت بن قيس هو الذي نفذت وصيته بعد موته ولا بأس من ذكر ذلك للفائدة يقول القرطبي ـ رحمه الله ـ عند تفسيره لهذه الآية الكريمة : لما كان يوم اليمامة خرج ثابت ـ رضي الله عنه ـ مع خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ إلى مسيلمة الكذاب فالتقوا فانكشفوا فقال ثابت ـ رضي الله عنه ـ وسالم مولى أبي حذيفة ـ رضي الله عنه ـ : ما هكذا كنا نقاتل على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم حـفر كل واحد منهما له حفرة فثبتا وقاتلا حتى قتلى وعلى ثابت ـ رضي الله عنه ـ درع نفيسة فمرّ به رجل من المسلمين ورآه مقتولاً فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ جاءه ثابت ـ رضي الله عنه ـ في المنام وقال : أوصيك بوصية وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس جاء رجل من المسلمين وأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس وقد كفأ على الدرع برمة فأت خالد بن الوليد فأمره أن يبعث لدرعي حتى يأخذها وإذا قدمت إلى المدينة على خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقل إن عليّ من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق وفلان ، فلما أفاق الرجل ذهب لخالد فأمر خالد بالدرع فأتي بها وحدّث أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ برؤياه فأجاز وصيته وقال : لا نعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته إلا ثابت . ونستفيد من القصتان سرعة استجابة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لأوامر الله جل وعلا فثابت لم يأخذ يلتمس لنفسه الأعذار بل انكفأ في بيته خوفاً من أن يحبط عمله ، ونستفيد أيضاً عناية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصحابة فهو لما فقده أرسل من يبحث عنه فنأخذ من ذلك أن على الإنسان تفقد أصحابه وإخوانه.







وقد ذكرنا في سبب نزول الآية الأولى في قصة أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ رفع الصوت فلما نزلت هذه الآية كان عمر ـ رضي الله عنه ـ لا يسمِّع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يستفهمه يعني يقول له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ماذا تقول لشدة خفض صوته ـ رضي الله عنه ـ .



تفسير الآيـــة:-

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ يعني لا تجعلوا أصواتكم عالية على صوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل يجب أن يكون صوته هو العالي عليكم والظاهر بينكم لأن ذلك تأدب مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك يشمل أيضاً ما بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند قبره وعند سماع أوامره ولذلك قال ابن العربي : حُرمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حياً كحرمته ميتاً وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه إذا قرِئ كلامه وجب على كل حاضر ألاّ يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، فقد نبه سبحانه على دوام الحرمة المذكورة لقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿204﴾ وكلامه من الوحي وله من الحكمة مثل ما للقرآن إلا معاني مستثناه بيانها في كتب الفقه.

وزاد بعض العلماء وقال بكراهة رفع الصوت في مجالس العلماء تشريفاً لهم إذ هم ورثة الأنبياء .



و قال تعالى : ﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾

لها معنيان:

المعنى الأول : أي لا تخاطبوه كما يخاطب بعضكم بعضاً يا فلان يا فلان ولكن قولوا يا نبي الله يا رسول الله أي الشيء الذي يختص به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا تقولوا يا محمد أو أحمد ولكن يا رسول الله أو نبي الله .

المعنى الثاني: لا يكون نداؤكم له بالنسبة لرفع الصوت كجهر بعضكم لبعض حتى لو قلت يا رسول الله فلا تصرخ كما تصرخ لفلان من الناس بل تقول يا رسول الله بأدب , وكلا المعنيان صحيحان .



قال تعالى: ﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ ﴾

أي كراهة أن يكون هذا الجهر سببا لحبوط أعمالكم ولكن كيف تحبط أعمالنا؟





قال تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾

أي لا تشعرون أن هذا الأمر محبط لأعمالكم لأن الإنسان قلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن سبحانه وتعالى فقد يرفع أحداً صوته فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو يجهر له بالقول كجهره للناس الآخرين ثم يدب في قلبه شيء من الاستهانة برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكون ذلك سبباً في حبوط أعماله وهو لا يشعر .

وذكر بعض أهل العلم أنه إذا جهر الإنسان على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقول وهو لا يقصد الاستهانة كان ذلك مدعاة لأهل النفاق أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ , وقال القرطبي ـ رحمـه الله ـ : إن فـي ذلك مدعاة لأن يرفع ضعـفة المسلمين أصواتهم فوق صوت الـنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
من فوائد الآية:ـ

1) النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

2) النهي عن الجهر له عليه الصلاة والسلام .

3) الحذر من محبطات الأعمال .

4) أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر كما في الحديث أن الرجل يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً.



ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿3﴾

هذه الآية الكريمة لها تعلق بالآية السابقة لمّا أمر الله سبحانه وتعالى بعدم رفع الصوت فوق صوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعدم الجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض امتثل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لهذا الأمر وأذعنوا له كما ورد في الآية السابقة عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ .



تفسير الآيـــة:-

قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾

يغضون أصواتهم: أي يخفضونها عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

هؤلاء الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما جزاؤهم؟







قال تعالى : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾

أولئك : إشارة للبعيد،وهي تعظيم لهؤلاء الذين امتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى.

امتحن : أي جعلها خالصة لهذه التقوى التي أمر بها سبحانه وتعالى .

وقال بعض أهل العلم : معنى امتحنها للتقوى أي : اختصها للتقوى ، وابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يقول : أي طهرهم من كل قبيح وجعل في قلوبهم الخوف من الله سبحانه وتعالى ، والمعاني متقاربة .



قال تعالى: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

مغفرة: من الله سبحانه وتعالى لذنوبهم .

أجر عظيم : على أعمالهم .

وتأمل في هذه الآية الكريمة كيف جمع الله لهم المغفرة والأجر العظيم لأن الإنسان محتاج لمغفرة ذنوبه وإلى رفعة درجاته.

وهذه المغفرة والأجر لامتثالهم أمر الله وأدبهم مع نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ



من فوائد الآية:ـ

1) الثناء على من غض صوته عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

2) الإشارة إلى اصلاح القلوب لقوله سبحانه: ﴿ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ما قال

امتحن أبدانهم فدل على أن الأمر عائد إلى القلب.

3) عظيم فضل الله وثوابه حيث غفر لهم وأعدّ لهم أجراً عظيماً.

4) الحث على التأدب في الكلام .



ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿4﴾

هذه الآية الكريمة فيها الأدب الثالث لأن الأدب الأول هو النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله والأدب الثاني ما يتعلق بالصوت والتأدب بإخفاضه عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أما الأدب الثالث فهو أدب النداء.



ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

هذه الآية الكريمة نزلت في وفد من بني تميم قدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إحدى حجراته ( أي في مكان راحته) فجعلوا ينادونه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو في حجراته يا محمد اخرج إلينا فإن مدحنا زين وذمنا شين ، قال القرطبي ـ رحمه الله ـ :ـ وكانوا قريباً من سبعيـن رجـلاً وكان رسـول الله ـ صلى الله عليه وسلـم ـ نائـم للقائلة ،





وهؤلاء أعراب جفاة فأخذوا ينادون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ باسمه يا محمد... يا محمد... فأنزل سبحانه وتعالى قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴿4﴾



تفسير الآيـــة:-

قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾

ينادونك : يا محمد... يا محمد...

من وراء الحجرات : هي بيوت زوجاته عليه الصلاة والسلام.

أكثرهم لايعقلون : هذا تأديب من الله لعباده حيث أنه لم يحكم عليهم جميعاً بعدم العقل بل قال : ﴿ أَكْثَرُهُمْ ﴾ وفي هذا تهذيب للإنسان أن يكون منصفاً في قوله لأنهم ليسوا جميعاً كانوا ينادون من وراء الحجرات بل طائفة منهم وهم أكثرهم فقال تعالى عنهم : ﴿ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ لأنه لو كان عندهم عقل ما فعلوا هذا الذي فعلوه .

فنستفيد أن يكون الإنسان منصفاً، بعض الناس يقول هذا المجتمع فاسد نقول:لا لابد من الإنصاف تقول أكثرهم.. أقلهم.. ونحو ذلك من العبارات التي تدل على دقة كلامك ، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما هو العـقل الذي نفاه الله عنهم هاهنا؟

هو: عقل الرشد لأن العقل ينقسم إلى قسمين:ـ

1) عقل رشد.

2) عقل تكليف.

فعقل التكليف هو الذي تتعلق به الأحكام ولو كان هو المقصود هنا لما كان عليهم من حرج فالعقل المنفي هنا هو عقل الرشد لا عقل التكليف.
من فوائد الآية:ـ

1) ذم من لا يتأدب لقوله تعالى : ﴿ لا يَعْقِلُونَ ﴾.

2) الإشادة بفضل العقل وبيان أثره لأنه سبحانه لما ترك الذين يعقلون ولم يذمهم دل على فضل العقل .

3) الإنصاف في المقال لأن الله سبحانه قال : ﴿ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ولم يقل كلهم.

4) مراعاة خصوصيات الإنسان.

5) أنه لا حرج على من ولاه الله أمرا ًمن أمور المسلمين أن يحتجب في وقت مخصوص لحاجته.



ثم قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿5﴾



تفسير الآيـــة:-

لو أن هؤلاء النفر انتظروا حتى يحين موعد خروجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ

لكان خيراً... ولكن خيراً لهم في أي شيء ؟

1) خيراً لهم في التأدب مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

2) خيراً لهم في ادارك حاجتهم ، لأن الإنسان إذا رأى طالب الحاجة يأتي بالأسلوب الحسن ويتأدب لاشك أن ذلك أبلغ لمساعدته على حاجته.

وقيل أنهم قدموا لفكاك بعض الأسرى .

قد يقول قائل:

كيف يحتجب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو المبعوث إليهم ؟

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب .

قال سبحانه : ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ختم الله هذه الآية الكريمة ببيان أنه غفور رحيم ويستفاد منها أن الله غفر لهم ورحمهم وقد سبق الكلام في فائدة ختام الآيات وأن فيها مناسبة للآية التي جاءت فيها الأسماء أو الصفات واستنبط العلماء ـ رحمهم الله ـ فائدة ختام الآية بقوله : ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أن الله قد غفر لهم ورحمهم ، ولذلك الكثير منَّا يعرف القصة المشهورة في الرجل الذي كان يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وكان بجانبه أعرابي لا يعرف القرآن فقال : أعد الآية ، فقرأها : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ ﴾ ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فقال : أعد ، فأعادها الثالثة فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟

قال : كلام الله ، قال الأعرابي : ليس هكذا ، فانتبه القاريء وأعاد مرة أخرى وقرأ قوله تعالى : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴿38﴾ قال الأعرابي :الآن ، يعني هذا كلام الله , لأنه عز فحكم فقطع أما الأول غفر و رحِم فكيف يقطع فاستفاد الأعرابي وهو لا يحفظ القرآن بختام الآية أن هناك خطأ من القارئ وأما الآية التي معنا فختمها سبحانه بقوله : ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ استنبـط العلماء أن هناك إشـارة إلى أن الله قد غفـر لهـم ورحمهـم ؛





لأنهم أعراب جفاة لا يعرفون الأدب مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وليسوا كأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذين جلسوا بين يديه وتعلموا منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ .



من فوائد الآية:ـ

1) الحث على الصبر وعدم الاستعجال .

2) أن الصابر يدرك حاجته بإذن الله.

3) كرم الله لهؤلاء حيث أنه غفر لهم ورحمهم.

4) إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والرحيم وما تضمناه من الصفة.



ثم قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿6﴾

نلاحظ أن هذا هو النداء الثالث من الله لأهل الإيمان في هذه السورة الكريمة ونلاحظ أن هذه النداءات متعلقة بالآداب حتى إن بعض أهل العلم وصفها بسورة الآداب.



ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

يكاد العلماء ـ رحمهم الله ـ أن يتفقوا على أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسل الوليد بن عتبة إلى بني المصطلق ليأخذ منهم زكاتهم وواعدهم عليه الصلاة والسلام أن يرسل إليهم رجلاً ليأخذ الزكاة منهم ، فلما حان الوقت أرسل إليهم الوليد بن عتبة فلما رأوه أقبلوا إليه جميعاً فرحاً برسول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فخاف ـ رضي الله عنه ـ منهم ، وسبب الخوف قيل أن بينه وبينهم إحنة فخاف منهم فرجع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره أنهم ارتدوا عن الإسلام وفي رواية أنه لما رآهم مسرعين إليه ظن أنهم يريدون قتله ، فلما قص الخبر على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسل إليهم خالد بن الوليد و أمره ـ عليه الصلاة والسلام ـ ألاّ يتسرع و أن يتثبت من الخبر فأتاهم ليلاً وبعث عيونه ( يعني أرسل أناس يدخلون بينهم ) فلما أتوهم وجدوهم متمسكين بالإسلام وسمعوا الأذان ورأو الصلاة فأتو إلى خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ فأخبروه فعاد إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبره الخبر فنزلت هذه الآية الكريمة : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿6﴾ وذكر بعض العلماء ـ رحمهم الله ـ رواية مفصلة أكثر من هذا فقالوا: لمّا رجع الوليد خافوا وقالوا ما رجع إلاّ لأمر ونخشى أن يكون قد أنزل فينا قرآنا





فخرجوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالوا له : سمعنا برسولك فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدِّي إليه الزكاة فعاد راجعاً وسمعنا أنه يزعم أننا خرجنا لقتاله ووالله ما خرجنا لقتاله .



تفسير الآيـــة:-

نادى الله تعالى أهل الإيمان بوصف إيمانهم فقال عز وجلَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ وقد سبق معنا أهمية النداء وقول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في الآية الأولى .



قال تعالى : ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ﴾ الفسق: مأخوذ من فسقت النواة من التمرة إذا خرجت هذا في لغة العرب فسمِّيَ الخارج عن طاعة الله فاسقاً , والخروج عن طاعة الله أنواع فمنها كبائر ومنها صغائر ومنها صغائر يصر عليها ومنها صغائر لا يصر عليها والكلام في هذا يطول .

ثم قال سبحانه : ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ ﴾ النبأ : هو الخبر, فإذا جاءنا فاسق بنبأ ماذا نفعل؟

قال سبحانه: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ بين الله وجوب التبيُّن من الأخبار حال ورودها من الفاسق وذلك لأن الأحوال إما قبول الخبر, أو رد الخبر, أو التثبت فيه ، هذه هي الأحوال الثلاثة بالنسبة للإنسان إذا جاءته أخبار , هذا تأديب من الله لعباده إذا جاءهم خبر من الفاسق بأن لا يتسرعوا ولكن يتسرعوا في ماذا ؟ يتبادر إلى ذهن كثير من الناس أن لا يتسرعوا في قبوله , نقول ليس هذا فقط بل لا يتسرعوا في قبوله ولا في رده أيضاً يعني لا تصدق ولا تكذب لأنك إن صدقت فقد يكون الخبر كاذباً وإن رددت فقد يكون الخبر صادقاً , فانظر إلى تأديب الله لعباده . وفي قراءة أخرى: ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثَبَّتوا﴾ والمعنى واحد أي تثبتوا من الخبر . ولكن لماذا نتثبت في خبره قال سبحانه : ﴿ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴿6﴾ أي أمرناكم أن تتثبتوا في خبر الفاسق حتى لا تصيبوا قوماً وأنتم تجهلون أحوالهم فيقع ما يقع نتيجة هذا التسرع فتصبحوا في حسرة وندامة على تعجلكم في هذا الأمر.

فحينئذ هذا الأدب لابد أن يلتزم به الإنسان وألاّ يتسرع في قبول الأخبار , وإذا نظرنا إلى أحوال الناس اليوم وجدنا الكثير منهم يطير بالخبر من أي إنسان فتراه يقول فيه كذا وكذا فيأخذ الخبر على محمل الجد وعلى أنه صدق ثم يزداد الأمر سوءاً إذا قـام الإنسان بنشر خبـر الفاسـق , فقد تندم إذا عملت بخبـر الفاسـق قبـل





التبين ثم تبيَّن لك أنه خبر كاذب ، أو تندم إذا كذبت الخبر ثم تبين لك أنه صادق .

وهذا الندم من وجوه :ـ

1) ندامة على تصديق الخبر الكاذب.

2) ندامة على تكذيب الخبر الصادق.

3) ندامة لسوء الظن بالمسلم الذي صدقت فيه ما لم يكن صحيحاً.

4) ندامة فيما سعى به الإنسان من نشر هذا الخبر الفاسد بين الناس.



ولو أن الناس عملوا بمقتضى هذه الآية لحصل بذلك مصالح منها : وقف هؤلاء الفسّاق لأن الفاسق إذا علم أن الناس سيتبيّنون من الخبر أقلع عن الكذب .

من فوائد الآية:ـ

1) وجوب التثبت في خبر الفاسق .

2) ذم الفاسق لأنه لم يقبل خبره إلا بعد التثبت .

3) التحذير من الفسق .

4) أن خبر الفاسق لا يرد ولا يقبل.

5) ذم التعجل قبل التثبت .

6) أن المتعجل في قبول الخبر قد يفعل الشيء مع الجهالة.

7) أن المعتمد على خبر الفاسق إذا قبله وتعجل أو رد وتعجل ولم يتبين سوف يندم.



ثم قال سبحانه : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿7﴾



تفسير الآيـــة:-

هذا الخطاب من الله جل وعلا موجه إلى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فيقول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ هذا إخبار من الله لهم بأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أظهرهم ، وهذا أمر يشاهدونه ومعروف لديهم فما فائدة مثل هذا؟

ج / الفائدة تعظيم هذا النبي الذي بين أيديكم وامتثال أمره كما يقال: هذا كتاب الله بين يديك أنت لا تريد إخباره أنه بين يديه لأنه يعلم به ويحس به ويشاهده ولكنك تحثه على العمل به وتقديره والعناية به .





فهذا خطاب من الله للصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بأن يفعلوا ما يأمرهم به وأن يوقروه ويتأدبوا معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .



ثم قال سبحانه : ﴿ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾ ولكن ماهو الأمر الذي يطيعكم فيه قال أهل العلم : لو أطاعهم ـ عليه السلام ـ في عقاب هؤلاء القوم الذين منعوا الزكاة لأنه لما جاء الرسول إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبره أنهم ارتدوا عن دينهم قال بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ نقاتلهم يا رسول الله فقال الله عز وجل : ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أي : أطيعوا أمره وصدقوه واعلموا أنه لو أطاعكم في كثير من الأمر لعنتم: أي لشق عليكم ذلك الأمر .

ومنه أنه لو خرج ـ عليه الصلاة والسلام ـ لقتال أولئك القوم لحصل عليكم مشقة في الخروج وندم على قتال من ليس أهلاً للقتال. ومثـَّل العلماء بعض الأمثلة منها: الوصال كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم اليوم واليومين ـ عليه الصلاة والسلام ـ فكان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قد طلبوا منه أن يواصل بهم فواصل بهم ليلة أو ليلتين فرُئي الهلال فقال : لو لم يُرى لواصلت بكم كالمنكل بهم ومثلوا له بقيام الليل وذلك أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام بهم ذات ليلة فقالوا : لو نفلت بنا سائر الليل حتى يطلع الفجر فقال لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : { من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة تامة } فلو أطاعهم في هذا الأمر لحصل تعب ومشقة عليهم فتنطبق الآية على الأمثلة .



قال تعالى : ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي أنكم يأهل الإيمان تطيعون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أنه يخالفكم فيما طلبتم وذلك بسبب محبتكم للإيمان، طلبتم منه أن يقوم بكم الليلة كاملة فلم يفعل فرضيتم وسلمتم سبب ذلك لأن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم فيقول أهل العلم في قوله عز وجل : ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ ﴾ إشارة إلى فضل الله سبحانه وتعالى على عباده أي أنه هو الذي جعل الإيمان محبباً إلى قلوبهم وهذا ظاهر فإن الناس منهم من قذف الله محبة الإيمان في قلبه فتراه مسارعاً للخيرات محباً لها ومن الناس من يفعلها بثقل وتبرم . فإذا حصل للإنسان ذلك فليشكر الله على ذلك .



قال سبحانه : ﴿ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ جعل له زينة في قلوبكم أي حسَنه إليكم حتى اخترتموه على غيره ثم ذكر سبحانه منقبة أخرى فقال تعالى ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾.





الكفــر : ما يقابل الإيمــان . فهناك مؤمن وكافـر .

الفسـوق : ما يقابل الاستقامة . فهناك عدلٌ وفاســق .

العصيان : ما يقابل الإذعـان . فهناك مذعن وعاص .

هذه ثلاث درجات أشار إليها سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة .



قال سبحانه : ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ .

الرشد : الاستقامة على الحق فالمستقيم على الحق يسمى راشداً.

والاستقامة على الحق ما تضمنته الآية العظيمة من سورة الفاتحة: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ فالراشد هو المستقيم على الحق, والحق كل ما جاء في الكتاب أو سنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول سبحانه : ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ هؤلاء الذين أطاعوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان هم الراشدون . هذه الأوصاف يتتبعها الإنسان وصفاً وصفاً حتى يحصل له الاستقامة والرشد على طريق الحق .



من فوائد الآية:ـ

1) رحمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمته .

2) منة الله سبحانه وتعالى على عباده بتحبيب الإيمان إليهم وتزييِِنه في قلوبهم.

3) منة الله تعالى على عباده بأن قذف في قلوبهم كره الكفر الفسوق والعصيان.

4) الحث على تجنب الكفر والفسوق والعصيان .

5) الحرص على اصلاح القلوب.

6) الإشادة بأهل الرشد .

7) الحث على الاستقامة والرشد .

في الآيات السابقة هل هؤلاء استحقوا ما استحقوا من الرشد بحسبهم أو نسبهم أو لبلدهم أو لجنسياتهم؟ الجواب لا هذا ولا هذا وإنما كما قال سبحانه في هذه الآية
قال تعالى : ﴿ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿8﴾



تفسير الآيـــة:-

أي أن هذا حصل لهم من باب فضل الله عليهم ونعمته فهو المتفضل عليهم سبحانه وتعالى بهذا الأمر , وفي هذه الآية الكريمة تنبيه للإنسان بأن يعرف فضل الله عليه ونعمته لا سيََما نعمة الهداية , من الذي هداك ؟ هو الله , من الذي حبب إليك الحق ؟ من الذي جعل في قلبك من حين تسمع النداء تبادر إلى الصلاة ؟ هو الله سبحانه , من الذي جعلك إذا أقبل رمضان تستبشر وتفرح وغيرك من بعض الناس يحس بثقل وتعب كأنه يستقبل ضيفاً ثقيلاً ؟ من الذي جعل فيك هذا وهذا ؟ هو الله عز وجل .

فلذلك نبه الله على عباده أن ذلك محض فضل منه ونعمة وحينئذ فيه تنبيه آخر بوجوب شكر نعمة الله على الهداية وألا يغتر الإنسان بنفسه لأن بعض الناس إذا رأى من نفسه استقامة على دين الله أو خدمة لدين الله أصبح عنده عجب أو شيء من الخيلاء وأنه يرى أن له فضلاً على دين الله أو على عباده ! لا . الفضل لله سبحانه وتعالى عليك , الفضل لله أن جعلك داعياً أو جعلك طالب علم الفضل لله في ذلك فإذا أردت معرفة فضل الله تعالى عليك بأن جعلك طالب علم فانظر إلى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:{ من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة} إذاً الله هو الذي تفضل عليك وجعلك في هذا الطريق الذي يوصلك إلى الجنة فما أعظم فضل الله علينا .



قال عز وجل : ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قلنا فيما سبق أن للعلماء ـ رحمهم الله ـ في تفسير الأسماء والصفات طريقة لذلك قال القرطبي ـ رحمه الله ـ :ـ

عليم: بما يصلحكم.

حكيم: في تدبيركم.

ومن علماء التفسير من يقول :

عليمٌ : بمن يستحق هذه النعمة .

حكيمٌ : في وضعها فيمن يستحقها .

لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه اللائق به .



من فوائد الآية:ـ

1) أن ما يحصل للعبد من النعم الدينية والدنيوية هو محض فضلٍ من الله .

2) التنبيه على شكر النعمة.





3) إبعاد العجب عن الإنسان.

4) إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم والحكيم وما دلا عليه من وصف.



ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿9﴾



ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

هذه الآية ساق فيها العلماء حديثاً عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: قلت: يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ ، فانطلق إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فركب حماراً وانطلق المسلمون يمشون في أرض سبخة ( أي يصدر منها غبار) فلما أتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال عبد الله بن أبيّ : إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لنتن حمار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أطيب ريحاً منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه وكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، قال أنس ـ رضي الله عنه ـ فبلغنا أنها نزلت فيهم .

وقال مجاهد ـ رحمه الله ـ : نزلت في الأوس والخزرج تقاتل حيان من الأنصار بالعصي والنعال فنزلت الآية .



تفسير الآيـــة:-

يقول تعالى : ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾أي: حصل بينهما قتال: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي اسعوا أيها المؤمنون في الإصلاح بين هاتين الطائفتين المتقاتلتين ، نذهب إلى هذه الطائفة وتلك الطائفة للإصلاح بينهما بأي طريقة يحصل فيها الإصلاح إما بدفع المال أو بجاه أو بسلطان المهم أن يحصل صلح ، وفي هذا فائدة أن لا يكون الإنسان سلبياً بل يسعى في الإصلاح بين الناس حين حصول الخصام بينهم فإذا تم الصلح قد يأتي من ينقضه لذا قال الله عز وجل : ﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى ﴾ أي لو أن طائفة بعد أن تم الصلح عادت تقاتل فهنا نؤدب الفئة الباغية لذلك قال سبحانه: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ﴾ أي فأدبوا التي اعتدت حتى ترجع إلى أمر الله وما يقتضيه شرع الله .

بغت : اعتدت .

إحداهما: إحدى الطائفتين.





قال سبحانه : ﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ أي حتى ترجع إلى شرع الله وأمره .



قال عز وجل : ﴿ فَإِنْ فَاءَتْ ﴾ أي امتنعت عن القتال ووضعت السلاح فإننا لا نقاتلها وإنما نصلح بينهما بالعدل فننظر إلى الإصابات والجروح وما تلف من الأموال فنقدر ذلك بالعدل والقسط لا نظلم طائفة على طائفة بل نعدل بينهما , لذلك قال سبحانه : ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ﴾ وهنا تنبيه عظيم من الله نلاحظ في الآية أن الإصلاح الأول مطلق ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ أم الثاني فمقيد بالعدل والقسط ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ﴾ فلماذا جاء في الآية الثاني ﴿ بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ﴾ مع أن الإصلاح الأول لا بد فيه من العدل والإقساط؟

هذا والله أعلم لأن الأمر الأول ليس هناك ما يدعوا إلى الميل إلى طائفة دون طائفة أما الثاني فإن النفوس تميل إلى المظلوم لأن هناك طائفة باغية معتدية وقد جرت عادة الإنسان أن يميل إلى المظلوم فناسب أن ينبه إلى العدل والقسط , فكأن معنى الآية لا يحملكم ظلم الظالم ووقوع الظلم على المظلوم أن لا تعدلوا بل لابد من العدل والقسط فننظر إلى ما يستحق هذا وما يستحق هذا ، وقيل لأن الإصلاح الأول لوقف القتال فقط, والإصلاح الثاني في تقدير الأضرار، فلذلك ينبغي للإنسان إذا كان يتلو كتاب الله أن يتنبه إلى مثل هذه الأشياء يقول سبحانه في الآية الأولى : ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ وفي الآية الثانية ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ﴾ فعليك أن تتأمل الآيات وأن تتمعن وأنت تقرأ .



قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ في هذا حث على أن الإنسان يكون من المقسطين وكما جاء في الحديث : { المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن } فهذا فضلٌ من الله سبحانه وتعالى. قال في آخر الحديث { الذين يقسطون في أهليهم وما ولُوا } والإقساط بين الناس يحصل في كل شيء في القضاء بينهم والإصلاح بين المتخاصمين حتى بين أولادك إذا اختصموا , فإذا فعلت ذلك تحصل على هذه المرتبة العظيمة وتدخل فيمن يحبهم الله عز وجل .



من فوائد الآية:ـ

1) أن الاقتتال قد يقع بين المسلمين.

2) أن الذنوب وإن عظمت لا تخرج من الإيمان.

3) الأمر بالإصلاح بين المتخاصمين .

4) تحريم البغي.





5) قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله .

6) وجوب الإصلاح بين المتخاصمين بالعدل والقسط .

7) إثبات محبة الله للمقسطين .

8)الحث على العدل .



ثم قال الله عز وجل تبعاً للآية السابقة : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿10﴾



تفسير الآيـــة:-

قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

إخوة : إخوة ٌ في دين الله عز وجل والأخوَّة الإيمانية لا تنقطع أبداً مستمرة في حال الحياة وفي حال الموت ولذلك رابطة الإيمان مستمرة منذ زمن آدم حتى قيام الساعة ولذلك نجد أن الإسلام اعتنى بتربية الأخوَّة الإيمانية وتقديمها على أخوَّة النسب حين اختلاف الدين وأن العبرة بدين الإنسان واستقامته وسيأتي زيادة تفصيل عند قوله تعالى : ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ لكن نحن في مناسبة هذه الآية التي جاءت بعد قتال أهل البغي قال سبحانه : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ تنبيه على أننا أمرناكم بالإصلاح لأن القتال حاصل بين إخوة ليس بين أعداء والإنسان لا يحب أن يزداد الخلاف بين الإخوة ويستفيد الإنسان وجوب العناية بإخوانه المسلمين ولو رجعنا إلى عهد الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وما حصل بينهم في شأن الأخوَّة والمحبة فيما بينهم لوجدنا شيئاً عظيماً ، لذلك ننصح بالرجوع إلى كتب سير الصحابة .



قال سبحانه : ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ هذا أمر من الله بالتقوى وبيَّن العلة في ذلك لعل ذلك أن يكون سبباً لرحمة الله بكم وفيه تذكير بأن التقوى سبب لكل خير وإذا حصلت التقوى منكم كان ذلك سبباً في رحمة الله لكم وقد سبق بيان معنى التقوى في الآية الأولى .



من فوائد الآية:ـ

1) إثبات الأخوَّة الإيمانية.

2)استخدام الألفاظ التي تحث الإنسان على تنفيذ الأمر المطلوب لقوله تعالى: ﴿ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾.

3) الحث على تقوى الله .

4) أن التقوى من أسباب الرحمة.
ثم قال سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿11﴾



تفسير الآيـــة:-

هذه الآية الكريمة مفتتحة أيضاً بالنداء وقد أسلفت أن هذه السورة جامعة لأمور عظيمة للإنسان في أمور عقيدته وعبادته وتعامله مع عباد الله لذلك صُدِّرت آيات منها بالنداء بوصف الإيمان وقد تقدم معنا النداء وفائدته وأهميته في الآية الأولى .

يخاطبنا الله تعالى بوصف الإيمان : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ .

السخرية : هي الاستهزاء , فيكون معنى الآية الكريمة لا يستهزئ قوم من قوم .

قال سبحانه : ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ يعني لا يسخر رجال برجال فعسى أن يكون هذا المسخور منه خيرٌ من هذا الساخر وفي قوله تعالى : ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ تنبيه للإنسان أن لا يغتر بنفسه وما يظهر له من الناس , قد يظهر لك من أحد الناس أنه ضعيف العلم فيأتي هذا الرجل ويسخر منه فيقال له : عسى أن يكون خيراً منك في العلم , قد يسخر منه في جانب العبادة فيقال له : عسى أن يكون خيراً منك , قد يسخر منه في جانب الفصاحة فيقال له : عسى أن يكون خيراً منك , قد يسخر منه في موقف من المواقف فيقال له : عسى أن يكون خيراً منك في هذا الموقف .



قال سبحانه ﴿ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ الأصل في الشريعة التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل الدليل على اختصاصه بأحدهما فإذا ذكر القوم فيدخل فيه الرجال والنساء لأن القوم مجموعة الرجال والنساء وإذا ذكر القوم والنساء في سياق واحد فالقوم هم الرجال والنساء هن الإناث, فيظن بعض الناس أن الله خص النساء لأن عندهن مزيد من السخرية ورد هذا بعض أهل العلم وقالوا: ليس الأمر هكذا ولكن الله تعالـى لما قال القـوم انصرف ذلك إلى الرجـال





ولم يدخل فيه النساء فنص على النساء . فلا يكون حينئذ هناك مزيد تخصيص للنساء على الرجال بل هم في ذلك على حد سواء وإنما ذكرت النساء لأن القوم المراد بهم الرجال بدليل قوله تعالى: ﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ ثم قال الله مخاطباً النساء ﴿ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾ أيضا لا تسخر المرأة من المرأة فربما كانت تسخر منها للباسها وأنها فقيرة مثلا فيقال للساخرة : عسى أن تكون خيرا منك وربما تسخر منها لعدم جمالها فيقال لها: عسى أن تكون خير منك في أمور أخرى وهذه الأمور قد لا تعلمها الساخرة .



الثاني مما جاء في هذه الآية الكريمة يقول سبحانه ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

اللمز : هو العيب . يقال لمزه : أي عابه .

هنا سؤال يقول سبحانه ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ فهل الإنسان يلمز نفسه يعني يعيب نفسه ؟

1) قال علماء التفسير في الآية تنبيه للإنسان على أن المؤمن كنفسك أنت يعني لا تلمز المؤمن لأنه كلمزك لنفسك إذ أن المؤمن الواجب له الاحترام والتقدير فإذا لمزته وعبته كأنك عبت نفسك ومثلوا له بقوله سبحانه وتعالى : ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي فليسلم بعضكم على بعض , فيكون المعنى لا يعب بعضكم بعضا وإنما عبر بأنفسكم حتى يعلم الإنسان انه إذا عاب أخاه المؤمن فكأنما عاب نفسه .

2) وقال بعض العلماء : أنك إذا عبت هذا الشخص رد عليك وعابك فحينئذ قد لمزت نفسك لأنك أنت السبب في عيبه لك ومثل له العلماء بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : { لعن الله من لعن والديه } فقالوا: كيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : { يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه } يعني لأنه على سبيل التسبب ، وعلى المعنى الأول مبالغة في تنفير الناس من هذا الأمر يعني أيها العائب لغيرك فكأنك تعيب نفسك .



ثم قال تبارك وتعالى : ﴿ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ كان الناس يلقب بعضهم بعضا وكان ذلك مشهورا في الجاهلية والإسلام لكن من هذه الألفاظ ما يكون مكروها ومنها ما يكون محبوبا والذي في الآية الكريمة الألقاب المذمومة وأما الألفاظ المحبوبة فإنه لا نهي عنها فإن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ كان يلقب بالصديق وليس هذا من التنابز وعمرـ رضي الله عنه ـ يلقب بالفاروق وعثمان ـ رضي الله عنه ـ يلقب بذي النورين وليس هذا من التنابز ـ رضي الله عنهم جميعاً ـ .





فالألقاب تنقسم إلى قسمين :ـ

1) ألقاب محمودة : هذه لانهي عنها .

2) ألقاب مذمومة : يكرهها الإنسان فهذه التي معنا في الآية الكريمة يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ أي لاينبز بعضكم بعضاً باللقب الذي يكرهه ، وهذه الأمور الثلاثة وهي النهي عن السخرية والنهي عن اللمز : أي العيب ، والنهي عن التنابز لها فائدة عظيمة وهي تماسك المجتمع الإسلامي لأنه إذا كان بعضنا يسخر من بعض ، وبعضنا يلمز بعض ، ونتنابز بالألقاب فستحصل بيننا العداوة والفرقة . والعداوة والفرقة لا يريدها الله لأن الله أمرنا بالاجتماع فقال سبحانه: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم : { عليكم بالجماعة } . فإذاً الجامع في هذه الأمور تفكك هذا المجتمع وأن يكون كل فرد مستقلاً بنفسه . بل ربما أصبح كل واحد يبحث عن معايب الآخر هذا ليس شأن المؤمن فقد قال صلى الله عليه وسلم: { المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا } وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : { المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يسلمه ...... } .



قال سبحانه : ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ﴾ أي بئس لكم أن تستبدلوا اسم الإيمان باسم الفسوق فبعد أن كنتم تحملون وصف الإيمان أصبحتم تحملون وصف الفسوق بهذه الأمور الثلاثة. أي إذا فعلتم هذه الأمور أو أحدها فقد استبدلتم اسم الإيمان بالفسوق يقول سبحانه: ﴿ بَعْدَ الإِيمَانِ ﴾ وفائدة التعبير بقوله سبحانه ﴿ بَعْدَ الإِيمَانِ ﴾ التنفير من هذه الأمور الثلاثة لأنك إذا قلت للإنسان ستوصف بكذا وكذا إذا فعلت كذا بعد وصف محبب كان متصفاً به فإن ذلك تنفير له من ذلك العمل .



قال سبحانه: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ﴾ من الأشياء الثلاثة السابقة لأنها أقرب مذكور فالذي لا يتوب من هذه الأشياء يقول سبحانه وتعالى عنه: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الظلم: في الأصل يقع على الغير يقال : فلان ظلم فلاناً فأين المظلوم هاهنا ؟ المظلوم هي نفسك أنت أيها الإنسان يقول سبحانه: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي لأنفسهم بارتكابهم المعاصي فلقد ظلمت نفسك لأنك عرضتها لعقابه سبحانه وتعالى وإذا كان الناس يقولون :
وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند


فكيف بظلم الإنسان لنفسه ففي قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فمن لم يتب من هذه الأشياء ويرجع إلى الله فهو ظالم لنفسه وكذلك ظالم لإخوانه بالعدوان عليهم بالسخرية واللمز والنبز.

ذكر العلماء أن بعض الناس يوصف بلقب قد يكون مكروهاً عند عامة الناس لكنه لا يكرهه. فهل ينادى به أو لا ؟ إذا نظرنا في حال الرجل فينادى به لأنه يرضى به، وإذا نظرنا إلى الناس لا ينادى به لأنه قد يسمعك آخر لا يعرف أن هذا الرجل يرضى به فيتهاون في هذا الأمر خاصة إذا كان المتكلم ممن يقتدى به هذا وجه من المنع أما الوجه الثاني فسوف يساء بك الظن كيف فلان ينبز فلاناً باللقب الفلاني ، يقول سبحانه: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ التوبة لها شروط هي :

1) أن يخلص لله تعالى في التوبة.

2) الندم على ما فعل .

3) أن يقلع عن الذنب في الحال .

4) أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل.

5) أن تكون التوبة في وقت قبولها.

مســـألــة:ـ

هل يشترط للإنسان في توبته من هذه الأمور يعني سخر من إنسان أو لمزه أونبزه بلقب يكرهه أو اغتابه فهل يشترط في توبته أن يذهب إليه ويستحل ؟

على ثلاثة أقوال لأهل العلم : ـ

1) من العلماء من قال لابد من الاستحلال فتذهب إليه وتقول قد سخرت منك في مجلس كذا وكذا وأنا نادم على ما حصل مني.

2) لا يلزم ويكفي التوبة بينك وبين الله لأنك إذا أخبرته قد يقع في قلب هذا الرجل شيئا عليك ويرى أنك قد اعتديت عليه فيبقى في نفسه شيء عليك وربما تحصل عداوة.

3) التفصيل : إذا علم الرجل بما قلت فيه فتذهب إليه وتستحل منه لان المفسدة التي يخشى منها وقعت لأنك إذا جئت قد يزول الذي في نفسه وإذا لم يزل فإنك لم تحدث شيئا، أما إذا لم يعلم فيكفي مع التوبة أن تستغفر له وتدعو له وتذكره بالخير في المجلس الذي اغتبته فيه أو سخرت منه فيه ، وهذا هو القول الراجح.

من فوائد الآية:ـ

1) تحريم السخرية.

2) التنبيه على أن المسخور منه قد يكون خير من الساخر .

3) تحريم عيب الناس ولمزهم .

4) اختيار اللفظ المناسب للتحذير من فعل مّا لقوله ﴿ أَنْفُسَكُمْ ﴾.

5) تحريم التنابز بالألقاب .

6) أن من فعل أحد الأمور الثلاثة المنهي عنها فهو فاسق .

7) التحذير مما يفسد الأخوَّة الإيمانية .

8) تحذير الإنسان من الانتقال من الأوصاف الحسنة إلى الأوصاف القبيحة.

9) الحث على التوبة .

10) أن العاصي ظالم لنفسه بمعصيته.



ثم قال تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴿12﴾



تفسير الآيـــة:-

يقول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ هذا هو النداء الخامس لأهل الإيمان في هذه السورة الكريمة وقد سبق أن تكلمنا في النداء وأهميته في الآية الأولى .



قال الله عز وجل ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ سبحان الله أمرنا الله أن نجتنب كثيرا من الظن لماذا ؟ لأن بعضه إثم يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ نهى سبحانه عن كثير من الظن لأن بعضه إثم والإنسان يخاف من الإثم ولو كان في البعض .

والظن: أن يكون لدى الإنسان احتمالان يترجح أحدهما على الآخر.

فالظن هو الاحتمال الراجح من الأمرين ، يأمرنا سبحانه أن نترك الظن لأن بعضه إثم والظن قد يكون ليس بإثم لأن الله قال : ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ فدلت الآية بأن بعضه ليس بإثم أيضا فمثلاً إذا ظن الإنسان بأخيه خيراً فهذا لا يأمرنا سبحانه باجتنابه بل هو محمود فظن الخير بأهله مأمور به, وهناك ظن إثم لا ينهى عنه وهو الظن بشخص إذا دلت القرينة عليه لأنه هو الذي أوقع نفسه فيه وهناك ظن محرم وهو ظن السوء بدون قرينة ولا دليل.



لو قال قائل :ـ

أيهم أكثر الظن المنهي عنه أو الظن المباح ؟

يقول شيخنا الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : الظن المباح أكثر لأنه يشمل نوعاً كاملاً من أنواع الظن وهو ظن الخير ، ويشمل كثيراً من ظن السوء الذي قامت القرينة على وجوده .

فتحصّل من ذلك أن الظن ينقسم إلى:ـ

1) ظن حسن مأمور به .

2) الظن السيء الذي قامت عليه القرينة وهذا جائز، وعلى الإنسان أن لا يتوسع في الظن ويقول هذه قرينة وهذه قرينة ثم يقع في المنهي عنه والمحظور .

3) الظن السيء الذي لم تقم عليه قرينة ولا دليل وهو الوارد في الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ .



ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلا تَجَسَّسُوا ﴾ نهى سبحانه وتعالى عن التجسس .

التجسس : هو طلب معايب الغير نهانا سبحانه وتعالى عن التجسس لما يحصل فيه من أضرار .

أشار القرطبي ـ رحمه الله ـ إلى ملحظ لطيف في هذه الآية وقد سبق أن قلنا علينا أن نتدبر القرآن ونتمعن ما فيه، فلماذا قدم الظن على التجسس ؟

لأن الإنسان إذا ظن ظن السوء سينتقل إلى مرحلة أخرى وهي التجسس ليتأكد ثم بعد التجسس سوف يغتاب ذلك الرجل بذكر معايبه.

ترتيب عجيب في هذه الآية الكريمة هذا الرجل ظن الظن السيء ثم ذهب يتجسس ثم ذهب يغتاب عند الناس ما أعظم كلام الله تعالى ، بعضها يجر بعض وكل واحد منها قد ينفرد لا تظن أنها متلازمة ولكن انظر إلى هذا التسلسل العجيب لأن الله هو الخالق لهذا الإنسان وهو العالم كيف تتسلسل في النفس وفيه تنبيه من جانب آخر أنه يجب على الإنسان أن يغلق أبواب الشر على نفسه لأنه إذا فتح باب الظن أنفتح باب التجسس ثم إذا امتلأ القلب بهذه الأمور المنكرة أصبح يفرِّغها في المجالس التي يجلس فيها .



ثم قال سبحانه: ﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾

الغيبة : فسرها وبيّنها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعلم الناس بمراد الله تعالى فقال لما سئل عن الغيبة:{ ذكرك أخاك بما يكره } أي شيء يكرهه وتذكره به فإنه من غيبته قال أهل العلم : سواء في خُلقِه أو في خِلقته أو في عقله أو في أولاده كل ما يكرهه فإنه غيبة .





وهذا يسميه العلماء فائدة الإطلاق لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أطلق فأفاد الشمول لكل شيء يكرهه هذا الرجل , لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقيده بأمر.

استثنى العلماء أشياء من الغيبة تكون مباحة ويهمنا منها التظلم ونضرب له مثالاً: لو أن امرأة جاءت إلى أبيها وقالت إن زوجي يفعل كذا وكذا مما يكره أن يذكر به أمام الناس ولا يحب أن يطلع عليه أحد ولكن هذه البنت تتظلم لوالدها فهل هذا جائز أم لا ؟ قال أهل العلم : إذا كان التظلم لمن يملك رفع الظلم فإن ذلك ليس من الغيبة.



لو تحدث الإنسان عند من لا يستطيع رفع المظلمة ولكن تحدث من باب التخفيف عن نفسه فهل ذلك جائز ؟

يقول شيخنا الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : الظاهر أنه جائز لعموم قوله تعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ﴾



ثم قال سبحانه: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ هذا التشبيه فيه تنفير من الغيبة وذلك أن الله مثلها بأن يأتي الإنسان إلى أخيه الميت فيأكل منه والعياذ بالله يعني هل أحدكم يحب إذا مات أخوه أن يأكل من لحمه ؟ أبداً لا أحد يحب ذلك بل الميت محل الرحمة ولذلك تجد أن الإنسان يسعى في إكرامه بسرعة وذلك بحمله وغسله وتطييبه وتكفينه وحمله والصلاة عليه المقصود أنه يحب إكرام الميت , هذا الذي يغتاب بخلاف هذه الصورة لذلك كان هذا التشبيه أبلغ ما يكو ن من التنفير من الغيبة ويذكر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يمشي ذات يوم وكان معه رجلان فسمعهما يغتابان فمر عليه الصلاة والسلام بحمار قد أشغر يعني انتفخ بطنه وتباعدت رجلاه فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أين فلان وفلان فقالا : ها نحن يا رسول الله قال أنزلا وكلا من جيفة هذا الحمار فقالا: يا نبي الله ومن يأكل من هذا قال عليه الصلاة والسلام : فما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه هذه القصة وقعت لما رجم ماعز الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ بسبب اعترافه بالزنا تكلما فقال أحدهما للآخر: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجم رَجم الكلب هذا الذي ذكر في ما عز ـ رضي الله عنه ـ ثم قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : { والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها }، فهذا تنفير تام من الغيبة ، ويذكر أيضا أن إحدى زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: حسبك من فلانة أنها كذا وكذا وتشير بيديها على أنها قصيرة فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: { لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته } .





لذلك عد العلماء رحمهم الله الغيبة من كبائر الذنوب .



يقول سبحانه ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ .

فكرهتموه : أي كرهتم الأكل من هذا و يمكن أن يقال فكرهتم هذا الآكل لأنكم ستكرهون الذي يأكل من لحم أخيه ميتاً فيكون المعنى من وجهين :ـ

1) الأكل هذا مكروه عندكم .

2) كذلك الذي يأكل مكروه .

فالغيبة مكروهة والمغتاب مكروه .



مســـألــة:ـ

هل تتساوى غيبة الناس كأن تغتاب عالماً أو تغتاب رجلاً من عامة المسلمين ؟

ج / لا تتساوى . غيبة العالم ليست كغيبة غيره من الناس . لماذا ؟ هل لأنه تقديس لذات العالم ؟ لا ليس تقديساً لذاته وإنما يقول أهل العلم : لأنه إذا اغتابه نزلت منزلته في أعين الناس فنزل ما يحمل من العلم ولم يستفيدوا من علمه . فكان ذلك راجع إلى الأثر وهو الطعن فيما يحمله من العلم وكذلك غيبة الأمراء ليست كغيبة عامة الناس



ثم ختم الله عز وجل هذه الآية بأمره لنا بالتقوى فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي حذرناكم من هذه الأمور وأمرناكم باجتناب التجسس وعن الغيبة فاتقوا الله وأطيعوه في ذلك فإن وقعتم ، من أين أخذنا فإن وقعتم من قوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ لأن التوبة لا تحصل إلا بعد ذنب فإن وقعتم فتذكروا أن الله تواب رحيم يقول أهل العلم :ـ " وهذا الختام من الله سبحانه وتعالى بهذين الاسمين العظيمين التواب الرحيم حث لمن وقع في شيء من هذه الأمور بأن يتوب من ذلك فانظروا إلى عموم رحمة الله سبحانه وتعالى إذا وقعتم في ذنب فلا تيأسوا ولكن ارجعوا إليه سبحانه وتعالى وتوبوا إليه مما وقعتم فيه من المعاصي فإنه تواب رحيم وهذا من فائدة التأمل في خواتم الآيات .



من فوائد الآية:ـ

1) الأمر باجتناب الظن السيء .

2) النهي عن التجسس .

3) النهي عن الغيبة .

4) التنفير من الغيبة .

5) تصوير الأمر المنهي عنه بالصورة البشعة تنفيراً منه .

6) استخدام اللفظ الذي يكون أقرب في التزام الأمر أو تجنب النهي لقوله سبحانه تعالى: ﴿ لَحْمَ أَخِيهِ ﴾ .

7) إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل وهما التواب والرحيم وما تضمناه من صفة.

8) الحث على التوبة من تلك المنهيات .
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿13﴾



ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

ذكر بعض أهل العلم أن لها سبباً في النزول وهو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر رجلاً بأن يتزوج من قبيلـة من القبائـل فلما ذهـب لهم الرجـل وكـان من مواليهم فقالوا: نزوج أبنتنا من موالينا ، فأنزل الله هذه الآية الكريمة . في هذه الآية نداء ولكن لعامة الناس أما النداء السابق وما قبله فهو للذين آمنوا أما هذا فللناس جميعاً ومناسبة توجيه النداء للناس كافة أن هذا الأمر وهو التفاخر بالأحساب والأنساب يقع من المسلم وغير المسلم فترى واقع الناس الآن من الشعوب من تفتخر على من سواها ويرون أنهم أهل التقدم وهم أهل الصناعة وغير ذلك فذكر الله الناس جميعاً بأصلهم أنهم خلقوا :﴿ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ ومعنى ذكر وأنثى في هذه الآية على قولين لأهل العلم : ـ

1) الذكــر: آدم عليه السلام.

والأنثى: حواء.

فيكون المعنى يا أيها الناس إن خلقناكم من آدم وحواء فمرجعكم واحد.

2) ذكر: وهو الأب .

أنثى: وهي الأم.

فيكون معنى الآية الكريمة يا أيها الرجل الذي تفخر علي أنت مخلوق من ذكر وأنثى وأنا مخلوق من ذكر وأنثى لك أب ولي أب ولك أم ولي أم. والآية تحتمل هذا المعنى وأكثر علماء التفسير على المعنى الأول.



ثم قال سبحانه : ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ ومعنى شعوباً وقبائل في هذه الآية على قولين لأهل العلم :ـ







1) الشعوب: قال بعض أهل العلم: هم العجم.

والقبائـل: هم العرب

2) الشعوب: هم أصول القبائل يعني الذي يجمع عدة أفخاذ.

والقبائـل:هي المتفرعة من هذا الأصل.

يقال قريش شعب وما تفرع من قريش يسمى قبيلة وقيل إن الشعب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشتركون في الأنساب.

فالله سبحانه وتعالى جعلنا شعوب وقبائل لأجل ماذا؟

جاء الجواب بقوله تعالى : ﴿ لِتَعَارَفُوا ﴾ على معنيين :ـ

1) أي جعلناكم شعوباً حتى تـُعرفوا حتى إذا جئت يقال هذا من شعب كذا وكذا وهذا من القبيلة الفلانية لتعارفوا لا أقل ولا أكثر أي ليحصل بينكم تعارف.

2) لتعارفوا: أي يحصل بينكم صلة الرحم تعرف أن هذا قريب منك فتعلم أن له حق الصلة.



والآية تحتمل المعنيين حتى يعرف بعضكم بعضاً وحتى يصل الآخر قريبه ويعطيه ماله من حق الصلة , ثم ختم الله هذه الآية بأمر جامع فقال سبحانه ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ لما تقرر في أول الآية أن الناس ينقسمون إلى شعوب وقبائل وكان من عادات الناس أن يرفعوا قبيلة ويضعوا أخرى جاء التنبيه من عند الله تعالى أن محل الفخر والرفعة الحقيقية هي التقوى فقال سبحانه وتعالى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾أي العامل بتقوى الله سبحانه وتعالى ، وهنا والله أعلم جاءت الآية بهذه الصيغة ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي أن هذا الرجل أو المرأة إذا كان كريماً عند الله فيجب أن يكون كريماً عند عباد الله .



ثم قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾

عليم : بالظاهر .

خبير : بالباطن .

وكأن الله نبه الإنسان أن لا يظهر التقوى والصلاح وهو ليس كذلك ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ عالم بباطنك .











من فوائد الآية:ـ

1) بيان أن الإنسان خلق من ذكر وأنثى حتى لا يتكبر أحد على أحد .

2) بيان حكمة الله في جعل الناس شعوباً وقبائل من أجل التعارف .

3) بيان من هو الأكرم عند الله .

4) الحث على تقوى الله .

5) الإشادة بالمتقي لقوله تعالى: ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ .

6) إثبات علم الله عز وجل بالظاهر والباطن.

7) استنبط بعض العلماء أن الكفاءة في النكاح لا تشترط .

8) إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل وهما العليم والخبير وما تضمناه من صفة .



ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿14﴾

ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

لها أكثر من سبب نزول: ـ

جاء في سبب نزولها أن طائفة من الأعراب قدموا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: يا رسول الله آمنا , ومن المعلوم أن هناك فرقأً بين الإسلام والإيمان فالإسلام هو الظاهر والإيمان هو الباطن وجاء في أركان الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ففرق بين الإسلام والإيمان . فهؤلاء الأعراب أول ما نطقوا بالشهادتين قالوا : آمنا ,وهم مسلمون لم يؤمنوا بعد فقال سبحانه﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ والخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني قل يا محمد لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا .

وقيل:إنها نزلت في جماعة من المنافقين وردَّ بعض أهل العلم هذا القول ومنهم ابن كثير ـ رحمه الله ـ وقال : والصحيح أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد، فأدِّبُوا وأعلمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعُنِّفُوا وفضحوا .





قال سبحانه : ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا ﴾

الأعراب: هم أهل البادية .

آمنـَّا: ادعوا الإيمان وهم حدثاء عهد بالإسلام.



فقال سبحانه : ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ لأن الإيمان مرحلة بعد الإسلام ثم قال سبحانه معقباً على عدم دخول الإيمان في قلوبهم ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي لم يستقر في قلوبكم لأن الإيمان في الباطن والإسلام في الظاهر .



ثم قال سبحانه : ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ ﴾

لايلتكم : ـ لا ينقصكم من أعمالكم شيئا يعني لا تظنوا أننا قلنا لكم هذا القول (أنكم أسلمتم ولم تؤمنوا) أن الإسلام لا ينفعكم بل سيثيبكم الله على إسلامكم فيقول سبحانه ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾ يعني لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً .



ثم قال سبحانه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مناسبة ختام الآية بهذه الصفات الإشارة إلى قرب مغفرة الله لهم لأنهم لم يعاندوا وهذا ما يرجح أنه من الأعراب وليسوا من المنافقين لأن المنافق يحتاج إلى الشدة والغلظة معه أما هؤلاء فإن قلوبهم قريبة ولذلك ختم الله هذه الآية بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أنه سيغفر لهم ويرحمهم ويدخل الإيمان فيقلوبهم.



من فوائد الآية:ـ

1) أن العبرة ليست بالألفاظ المجردة.

2) رد القول على صاحبه إذا لم يكن صحيحاً.

3) التفريق بين الإسلام والإيمان.

4) أن الإيمان أخص من الإسلام.

5) بيان علاقة الإيمان بالقلب.

6) فضل طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

7) بيان تمام فضل الله وعدله عز وجل.

8) إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور و الرحيم وما دلا عليه من صفة الرحمة والمغفرة.



ثم قال سبحانه : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿15﴾



تفسير الآيـــة:-

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ : أي الإيمان الحقيقي والإيمان التام هم : ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ﴾ الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده جل وعلا والإيمان بربوبيته والإيمان بألوهيته والإيمان بأسمائه وصفاته وإذا استكملها الإنسان استكمل الإيمان ثم قال سبحانه : ﴿ وَرَسُولِهِ ﴾ وهو النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمنون به لأنه رسول من رب العالمين وذلك بالعمل بما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر وتصديقه فيما أخبر وقد أشار إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ثم قال سبحانه : ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ الريب : هو الشك فيكون المعنى ثم لم يشكوا أو يلحقهم شك فيما آمنوا به من ربهم ورسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بل دخل الإيمان في قلوبهم دون ريب ولا شك وثبتوا عليه واستقاموا عليه ، هذه الآن أشياء قلبية فالإيمان قلبي ، وعدم الريب هذه كلها قلبيه، ثم انتقل إلى شيئاً من أعمال الجوارح فقال: ﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يقول أهل العلم إن أكثر ما يرد في القرآن من ذكر الجهاد يقدم فيه الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس وفائدة تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس هل هو لأن المال أحب إلى الإنسان من نفسه؟ قال بعض أهل العلم بذلك قالوا : لأن المال محبوب للنفس فترى الإنسان لا يهمه أن يتعب بدنه ولكن لا يحب أن ينفق شيئاً من المال فجاء التنبيه من الله تعالى على هذه المسالة بتقديم الجهاد بالمال على النفس.



والوجه الثاني من تقديم المال على النفس لأن الجهاد محتاج أن تبذل مالاً قبل أن تذهب إليه فأنت محتاج لشراء سلاح قبل أن تذهب ومحتاج لشراء دابة وخاصة في السابق أنت من يشتري عدة قتالك بخلاف الجيوش النظامية هذا وجه آخر في تقديم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، وعلى كل حال الآية تحتمل هذا وهذا لأنه لا تعارض بينهما فيقال قدمه لأن المال محبوب على النفوس وقدمه لأنه يسبق الجهاد بالنفس ، لكن في الآية الكريمة قيد مهم وهو قوله سبحانه ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله .







لا رياء ولا سمعة وإنما هو لله سبحانه وتعالى ليس لوطنية ولا لعصبية ولا لإقليمية بل هو قتال في سبيل الله عز وجل وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ متى يكون القتال في سبيل الله حينما سئل عن رجل خرج ليقاتل شجاعة وليقاتل للمغنم ويقاتل ليرى مكانه قالوا : أي ذلك في سبيل الله قال عليه الصلاة السلام : { من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله } .



وقال أهل العلم : يدخل في ذلك الجهاد بالعلم لأن المقصود منه أن تكون كلمة الله هي العليا بين الناس في تعاملهم ومعاملاتهم فالجهاد يكون بالسيف والسنان ويكون أيضاُ باللسان والبيان فنستفيد من هذه الآية إذا لم يستطع القتال لتكون كلمة الله هي العليا فهناك جهاد آخر لا يقل أهمية ويكون سبباً لأن تكون كلمة الله هي العليا وهو العلم الشرعي لأنك بهذا العلم تجعل كلمة الله عالية فحينئذ العلم والبيان من أنواع الجهاد في سبيل الله ثم قال سبحانه : ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ أي هؤلاء هم الذين صدقوا في إيمانهم لا الذين قالوا بألسنتهم .



من فوائد الآية:ـ

1) بيان من هو المؤمن حقاً .

2) فضل الإيمان وعلو درجته .

3) التحذير من الشك والريب .

4) فضل الجهاد بالمال .

5) فضل الجهاد بالنفس .

6) أن الجهاد الحق ما كان في سبيل الله.

7) عدم اقتصار الإنسان على إصلاح نفسه بل يسعى في إصلاح غيره.

8) الإشادة بمنزلة من اتصف بتلك الصفات لقوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾
ثم قال الله عز وجل لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿16﴾



تفسير الآيـــة:-

أي أتعلمون الله بما في قلوبكم وأنكم آمنتم وهو الذي يعلم ما في السماوات والأرض كيف تعلِّمونه وهو العالم بكل شيء، وهذا دليل على شمول علم الله تعالى .





قد يقول قائل:ـ

لو جاءت الآية ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ﴾ ( قلوبكم ) فما فائدة ذكر السموات والأرض؟

ج/ دليل على شمول علم الله وأنه إذا كان يعلم ما في السموات وما في الأرض وأنتم من أهل الأرض فهو يعلم ما في قلوبكم ويعلم أحوالكم فتكون أبلغ .



ثم قال سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ وهذه كما قال شيخنا الشيخ ابن عثيمين

ـ رحمه الله ـ من أوسع صفاته عز وجل لأن قوله : ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ يشمل الخفي والظاهر والعام والخاص فهو عالم بكل شيء سبحانه وتعالى . ومناسبة ذكرها في هذه الآية أنه يعلم ما قلتم أيها الأعراب من الإيمان أو الإسلام ويعلم ما في قلوبكم ويعلم أحوالكم فلا حاجة أن تعلموه وأن تخبروه بدينكم , ومنها أخذ العلماء أنه لا يشرع للإنسان ولا يسن له التلفظ بالنية في صلاته وعبادته فيقال لمن يتلفظ بالنية أتعلم الله بصلاتك الله عالم بك .



من فوائد الآية:ـ

1) الإنكار على من قال قولاً غير صحيح.

2) إثبات عموم علم الله سبحانه وتعالى من قوله: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

3) إثبات أن السموات متعددة .

4) إثبات اسم العليم وما دل عليه من صفة وهي العلم.



ثم قال سبحانه : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿17﴾



ســبــب نــزول هذه الآيـــة :ـ

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ: نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلو أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وجعلوا يمنون عليه فنزلت هذه الآية الكريمة.







تفسير الآيـــة:-

قال سبحانه ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ كما جاء في سبب النزول يمنون على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإسلامهم ثم قال عز وجل : ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ أي يأيها الناس لا تمنوا عليّ بإسلامكم بل المنة في هدايتكم هي لله سبحانه وتعالى فأنتم لم تهتدوا بقوتكم ولم تهتدوا بحسبكم ولا نسبكم وإنما المنة في هدايتكم لهذا الطريق هي لله سبحانه وتعالى .



ثم قال سبحانه: ﴿ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي أن كنتم صادقين فيما قلتم أن المنة لله تعالى عليكم أي إذا كنتم تشعرون بأن هناك منة وهناك فضل في الإسلام وكنتم صادقين بهذا القول فإن الحقيقة أن المنة لله تعالى بأن هداكم للإيمان وهذا الإسلام .



قال الله عز وجل ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ تأملوا في هذه الآية قليلاً ، السابق من الآيات مثل قوله تعالى ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا﴾ جاءت ولكن قولوا أسلمنا في الآية جاءت ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ هؤلاء الأعراب لم يدعوا الإيمان بل هم يدعون الإسلام والآية جاءت ﴿ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ فماذا يكون المعنى ؟

يكون المعنى والله أعلم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان أن كنتم صادقين في دعواكم الأولى بقولكم آمنا في قوله تعالى : ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ ويمكن أن يكون المعنى أنهم إذا انتقلوا من الإسلام إلى الإيمان فإن المنة لله تعالى أن صدَقوا في إيمانهم فإذا وصل الإيمان إلى قلوبكم صدقاً وحقاً فالذي منّ عليكم هو الله سبحانه وتعالى وإن كنتم تدعونه فإن المنة هي لله سبحانه وتعالى فلا تفخروا ولا تمنّوا على النبي ـ صلى لله عليه وسلم ـ بذلك .



من فوائد الآية:ـ

1) أن ضعيف الفقه يمن على الله عز وجل بما هو من فضله .

2) رد قول المخالف وإحقاق الحق .

3) بيان أنه ليس لأحد من الخلق منة على الله تعالى بل المنة لله عز وجل .

4) تحذير الإنسان من الإعجاب بنفسه .

5) حث الإنسان على شكر نعمة الله عليه إذا عرف أنها محض فضل من الله .



ثم قال سبحانه في ختام هذا السورة الكريمة : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿18﴾



تفسير الآيـــة:-

ما الفرق بين هذا الآية وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿16﴾ ؟

ج/ قوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ المقصود الظاهر والباطن والحاضر والغائب ، أما المعنى في الآية الثانية قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ أي ما غاب فيها وما غاب منها هل يكون المعنى الثاني أقل من المعنى الأول ؟ الصحيح أن كل واحدة منها شاملة، كيف تكون شامله والأولى تشمل الحاضر والغائب والثانية في الغيب نقول الثانية تشمل الحاضر من باب أولى لأنه إذا علم الغائب فإنه يعلم الحاضر من باب أولى لكنه نبه بالغائب جل وعلا على علمه بالظاهر سبحانه وتعالى .

لكن ما مناسبة ذكر قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ بعد ذكر الإيمان في قوله تعالى ﴿ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ ؟

ج / أن الإيمان من الغيب ، والباطن لأنه من أعمال القلب.



ثم قال سبحانه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي بما تعملونه أيها الناس إن عملتم الخير فإن الله بصير به عالم به وإن عملتم الشر فإن الله سبحانه عالم به مطلع عليه وسوف يجازي كل إنسان بما عمل ، فيجب على الإنسان أن يتقي الله سبحانه وتعالى وليعلم أن الله بصير بعمله مطلع عليه عالم به جل وعلا وحينئذٍ يكون ذلك سبباً في استقامة الإنسان على طاعة الله وسبباً في بعده عن معصية الله تعالى0



من فوائد الآية:ـ

1) إثبات عموم علم الله تعالى .

2) إثبات أن السماوات عدد.

3) إثبات أن الله سبحانه وتعالى محيط بأعمال العباد .

4) الترغيب في العمل الصالح .

5) التحذير من مخالفة أمر الله عز وجل.

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 

تفسير سورة الحجرات لفهد بن ناصر السليمان

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 ::  ~®§§][][ القسم الاسلامي ][][§§®~  :: 
واحة الذكر الحكيم كل ما يتعلق بالقرآن الكريم من تفسير وسور وغيرها
-
انتقل الى: